ابن خلكان

مقدمة 35

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

والظاهر أن المؤلف تجوّز في هذا الموضع وجعل التاريخ تقريبيا ، أو أنه تجوّل قليلا في جنوب الشام وأنه وصل الديار المصرية في أوائل سنة 636 . أما ارتحاله من حلب فربما كانت وراءه أسباب عدة منها : يأسه من العودة إلى إربل بعد إذ اجتاحها التتر وخربوها سنة 634 ؛ ومنها - فيما أقدّر - عدم الاطمئنان إلى الأوضاع السياسية في ديار الشام ، بعد إذ أصبحت مهددة بالغز والتتريّ ، وعدم نجاح ابن خلكان في الاتجاه الشعري والاتصال بملوك آل أيوب ، ولعل أهمها ارتياد دار جديدة من دور العلم ، فإنه كان ما يزال يرى نفسه في دور الطلب ، فلعلّ مصر أن تكون هي البيئة العلمية التي توفر له أعلاما آخرين من الأساتذة ، بعدما تتلمذ على أشهر الأساتذة في ديار الشام . ومع ذلك فإننا لا نجد له شيخا متميزا في مصر سوى عبد العظيم المنذري ، صاحب التكملة « 1 » ؛ صحيح ان إقامته بمصر جمعته بتلامذة ابن فيره الشاطبي « 2 » وأنه لقي كثيرا من أصحاب ابن بري وأخذ عنهم رواية وإجازة « 3 » كما لقي أصحاب الخشوعي وسمع عليهم وأجازوه ، ولقي ابن الخشوعي واجازه جميع مسموعاته وإجازاته من أبيه « 4 » وتعرف إلى ابن الحاجب من بعد وألقى عليه بعض الأسئلة وأفاد من علمه « 5 » ؛ ولكن الصداقات التي كوّنها مع جماعة من الأدباء بمصر ، كانت أقوى بكثير من العلاقات التي ربطته بالشيوخ . هل وجد ابن خلكان أن ما طلبه من العلم في ديار الشام قد كان زادا كافيا له في الديار المصرية ؟ أتراه كان ما يزال يعتقد أنه سيكون ابن خلكان « الأديب الشاعر » لا الفقيه ابن العائلة التي لم يمكنها أصلها الكردي من اجادة مرموقة في البلاغة العربية ؟ أم أن أعباء الحياة ربطته - في دور مبكر - بالوظيفة ، فانصرف إليها عن الطلب المنظم ولقاء الشيوخ ؟ أسئلة

--> ( 1 ) انظر مقدمة المحقق لهذا الكتاب . ( 2 ) الوفيات 4 : 72 . ( 3 ) الوفيات 3 : 109 . ( 4 ) الوفيات 1 : 270 . ( 5 ) الوفيات 3 : 250 .